محمد غازي عرابي

762

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الإحسان أن تعترف بفضل اللّه عليك ، وترد إليه العارية التي أعارك إياها وهي نفسك التي بين جنبيك ، وألا تطغى دنياك آخرتك ولا آخرتك دنياك فإن الإسلام هو دين الدنيا والآخرة وهو الدين الوسط بين الأديان وهو خاتم الأديان . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 78 إلى 81 ] قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 79 ) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ ( 80 ) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ( 81 ) [ القصص : 81 - 78 ] يؤمن المفكر بفكره مثل إيمانه بأناه ، وهذا ما عبر عنه قارون قائلا : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ، والعلم هنا العلم الإنساني ، وكان قارون أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون ، ولكن قارون بقي محجوبا ، والمحجوب ما لم يكشف عنه غطاؤه يظل وراء الحجاب ، وقال أبو العباس المرسي من لم يتغلغل في هذه العلوم - أي علوم التوحيد - مات مصرا على الكبائر وهو لا يعلم ، وقال الإمام الغزالي : من لم يسافر إلى عالم الملكوت وقعد به القصور في عالم الشهادة فهو بهيمة بعد محروم من خاصية الإنسان ، بل أضل من بهيمة . فاليقين تعرف اللّه وإعطاؤه حقه من الوجود ، وهذا ما أشارت إليه الآية الثمانون : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ [ القصص : الآية 80 ] ، فالعلم علمان علم يؤتى وعلم يأتي ، فالعلم الذي يؤتى يأتي به اللّه ، والعلم الذي يأتي يأتي بتحصيل الإنسان نفسه ، وشتان ما ببين العلمين ، ولهذا تابعت الآية قائلة : ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً . وقوله : وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ إشارة إلى المجاهدات التي يقتضيها ركوب طريق الحقيقة ، فالمدخل إلى العلم الإلهي أخلاقي لا فكري ، وهذا ما أوضحه الغزالي في « الإحياء » مؤكدا أهمية دور الأخلاق في الوصول إلى الحقيقة وكشفها ، وعندما وصف الفارابي مدينته المثالية وهي عديدة قال إنه ليس شرطا أن يكون رئيس المدينة فيلسوفا كما كان قال في المدينة الفاضلة ، وقال إن الرئيس الأخلاقي يمكن أن يقوم مقام الرئيس الفيلسوف وهذه لفتة ذكية من المعلم الثاني الذي أدرك ما للأخلاق من أهمية ودور في معرفة الحقائق ، ونرى الرسول من قبل الفارابي والغزالي قد بنى صرح الإسلام على الأخلاق لا على الفكر ، ثم قال إن ساعة تفكر خير من سنة عبادة ، فالمطلوب جلو القلب وجعله قابلا لاستقبال الأنوار ، ثم يعلم اللّه